-1-

        حياتي، هذه الكلبةُ، ليس فيها ما يثير الرّوح أو يهب الأيّام ضوءَها... فأنا نبتة سيّئة... أنا ضفدع برأس منتوف... أنا ابن الفشل، وسليل الخيبات... ما أفلحت يوما في أمر ولا أنجزتُ ما يمكن أن يكون مدعاة فخر... 

        منذ ولادتي، ما صادفتُ غير اللّيل... ويوم مولدي، كان والدي غائبا كعادته دائما... وما كان أحد ليهتمّ بالولادة، كان كلّ النّاس مشغولين بإحصاء الموتى... كانت حربُ الجلاء مستعرة في مدينة بنزرت، وكان الموتى يتصدّرون دائرة الاهتمام، وحين أتى أمّي المخاضُ، لم تجد حتّى قابلةً لتساعدها... كلّ القرية كانت تعيش على وقع حرب الجلاء... 

        لذا، وضعتنا أمّي (أنا وشقيقٌ توأم لي) كالكلبة وحدها، وربّما كانت لعنتنا، ولعنت أبي لأنّه زرع فيها بذرتيْ السّوءِ تلكما... لعلّ أمّي تمنّت أكثر من مرّة أن نموت... لم يكن لديها الجرأة الكافية لخنقنا، ولكنّها تمنّت في سرّها أن نموت، غير أنّنا لم نمت، كأنّنا منبثقان من سلالة السّنانير، وأرواحنا لا عدّ لها...

 * * *

        في حياتي، أسبابٌ كثيرة تدفعني إلى الموت، وتزيّنه لي مخرجا جميلا، وعبورا إلى حياة أخرى لا نُدوب فيها ولا جراح... غير أني لم أمت. انتهت حرب الجلاء، ودفن النّاس موتاهم... أمّي وحدها كانت حزينة... لم تدفن أحدا، حتّى أنا الذي تمنت في سرّها أن أموت، لم أمت... وقد جرّبتُ نفسي بعد ذلك في ميادين شتّى، فما أفلحت في شيء... 

        في بداياتي اشتغلتُ معاون خضّار... ثم اشتغلتُ ماسح أحذية، بائع خردوات، سائق عربة موتى، ثم عرّافا وبعدها، حين فشلتُ في كلّ ذلك، أصبحتُ بحّارا...