عن الموت وعن حماقات أخرى (2)
حزينٌ أنا...
حزينٌ كنهرٍ آسن...
حزين كأمسٍ مظلم...
منذ أيّام، ينتابني شعور غريب...
شيء ما في داخلي يجعلني أحسّ بأني سأموت قريبا... البارحة، في حانة "الرّوتوندة" بنابل، عند بدايات اللّيل، أحسستُـني خاويا كبيتٍ مهجور، ورأيتُ كأن لم يبق أمامي سوى بعض وقت، ثـُمّ أموت... قد يذهبُ الظّـنُّ ببعضكم إلى أنّي مقدم على الانتحار. لا، أبدا، فأنا لن أنتحر على الإطلاق، ولن أجعل أعدائي يظفرون بيوم كهذا... وفوق ذلك كله، فـفكرة الانتحار لم تراودني قط، بل إني أحب الحياة حد الافتتان، وأنا مقبل على غلاتها وفواكهها بكل ذرة في كياني... وأعتقد أن ليس من الصّواب أن يموت المرءُ ويترك كل هذه الدنيا بنسائها الرّائعات، وخمورها الجيدة، وأفراحها التي لا تنتهي...
إنه الحمق عينه، أن يموت المرء، ويترك هذه الدنيا بربيعها، ببحرها، بغيمها، بحافلاتها التي لا تكاد تصل في مواعيدها أبدا، بقهوة الصّباح، بجولة المساء على الشّاطئ تحت شمس الخريف... بشكوى الأطفال من تفاهة الصّور المتحركة على فضائيّاتنا الحزينة...
لذلك كلّه أعلن أني بقدر حبّي للحياة، فإني أكره الموت... ولكن رغم ذلك كله، فأنا أشعر أني سأموت قريبا...
* * * *
- إلهي: هذا الموت ما أبشعه.!!
ما زال أمامي كتب كثيرة جيدة لا بد من قراءتها...
ما زال أمامي قصائد شرعت في كتابتها ولم أتمكن من الفراغ منها، ومقالات شرعت فيها، دون أن أُتمّها... عليّ أن أعود بسرعة إلى بيتي، فما زال أمامي كتاب القديس فرنسيس لكازانتزاكي الذي قرأت ثلاثة أرباعه وعلي أن أتمّـه... أخاف أن يلقى بي في قعر قبر مظلم، دون أن أعيد قراءة مذكرات بابلو نيرودا، و"هكذا تكلم زرادشت" لنيتشه...
إلهي: الكتب الجيّدة الجديرة بالقراءة كثيرة، ولكنّ العمر قصير، فأيُّ رعب هذا؟!
على طاولتي يستريح كتاب Le périple de Baldassare لأمين معلوف، كانت أهدتنيه صديقة فرنسيّة وقد التهمتُ ثلاثة أرباعه، وعليّ أن أفرغ منه سريعا... أمامي العدد الأخير من مجلة "الكرمل" ومختارات سعدي يوسف الشعرية التي كان أهدانيها قبل عودته إلى عَـمَّان... وكتبٌ أخرى كثيرة كثيرة، وعليّ أن أقرأها قبل موتي، وإلا فما جدوى أن أموت؟!
عليّ كذلك أن أعود إلى الدّراسة التي كنت شرعتُ في كتابتها حول رواية: "النّخّـاس" لصلاح الدين بوجاه...
عليّ أن أكتب أوجاعا قديمة كنت أظنّ أني تخلصت منها، ولكنها عاودتني إثر فراغي من قراءة رواية "أرض السّواد" لعبد الرّحمان منيف...
عليّ أن أكتبَ فرحي بقصة: "رجل محترم جدا" لإبراهيم الدرغوثي...
ثم ماذا ؟ هناك رسائل كثيرة علي أن أكتبها...
عليّ أن أكتب للصّديق جهاد درويش... عليّ أن أردّ على رسالة فتاة في الجنوب، وعلي أن أدفع فاتورة الهاتف...
* * * *
حزينٌ أنا...
حزين كنهر آسن...
حزين كأمس مظلم، وبي ظمأ للحياة لا شفاء منه، ورغم ذلك فـثمة في داخلي إحساس يصرخ بي أن نهايتي أصبحت قريبة، قريبة جداّ... وأنا أكره الموت، ولكنّي لست خائفا منه...
الأغنياءُ فقط هم المخوّلون وحدهم للخوف من الموت...
- يا إلهي إذا مات الأغنياء، فلمن سيتركون ديارهم الفاخرة المبنيّة على شواطئ البحار؟ لمن سيتركون زوجاتهم اللائي تعودوا على خداعهنّ؟ وزوجاتُهم من سيخدعن بعد رحيل أزواجهنّ؟ لمن سيتركون أرصدتهم الضخمة؟ لمن يتركون سيّاراتهم الفارهة وصديقاتهم الأنيقات ؟!
مرّةً أخرى: أنا أكره الموت، ولكنّي لا أخافه... لستُ أدري على أي صورة سيأتي هذا الموت، ولا أيّ لباس سيرتدي... ربّما جاء على هيئة جاموس، أو كركدنّ أو بغل... ربما كانت معه كماشة... ربما جاء متنكرا في زي طفل، أو بائع خضروات... ذلك كلُّـه لا يعني شيئا، فأنا لا أملك دارا على البحر، ولا أملك حديقة حتى أخاف عليها، وحسابي الجاري في البنك التونسي فرع نابل، خاو تماما... ولكن رغم ذلك، فإني سأفتقد ضوء الشمس كثيرا بعد موتي... سأفتقد لقاءاتي بأصدقائي الذين أحبّهم بصدق وأعرف أنهم يحبونني هم أيضا... سأفتقدُ رَبْـلَـتَيْ فتاةٍ أحببتُها منذ القديم، وإني لأخشى أن أموتَ وفي القلب شيء من تلكما الرّبـلَـتَـيْـن...
* * * *
قرأت في كتاب لكازانتزاكي أنّ راهبا كان حفر قبره بنفسه في الصّخور... ظلَّ يُعمِلُ معولَه في الصخور أيّاما حتّى فرغ من حَـفر القبر، ثمّ بعد ذلك هيّـأ الشـّـاهدة...
كتب على الشّـاهدة: "إيه أيّـها الموتُ، إنّـني لا أخافك... ولِـمَ عليّ أن أخاف منك أيها الأفّـاكُ العجوز، إنّـك بغلٌ سوف أمتطيك وأجعلك تأخذني إلى الله"...
أنا أيضا، وإن كنت أكره الموت، فإني لا أشعر بأي خوف منه، ولذلك لم أهيئ قبرا، حتى أنه لا يعنيني أن أدفن في ماطر أو في نابل أو في أعماق البحر، أو في أي مكان... ولا يعنيني كذلك أن يكون لي قبر معلوم يحمل رخامةً مكتوبٌ عليها اسمي، فكلُّ ذلك من النوافل التي لا تشغلني...
* * * *
أعرف تماما أنّ كثيرين ممّن لم يعرفوني يوما، ممّن لم يُصادقوني يوما، أو يقاسموني حبّة زيتون واحدة، أعرف أنّهم سيعلنون عليّ صداقاتهم العميقة جدّا، جدّا بعد أن يتأكّدوا من موتي تماما، ونهائيّا... أعرف أنّ كثيرين ممّن لم يحبّوني يوما، سيتبارون في الإشادة بمناقبي بعد موتي، (وهي قليلة لو يعلمون)، وسيذهبون بعيدا في امتداح أخلاقي الفاضلة (وهي ليست كذلك دائما)... أعرف أيضا أنّ نُـقّاداً كُـثرا، أغلبهم فاشل، سينكبّون -منذ أن يهال عليّ تراب الحفرة الضيّقة- على مدوّنتي الشّعريّة، فيوسعونها تشريحا وتحليلا، وسيتذكرون، بعد طول نسيان، أن شاعرا ما مر من هنا، ولذلك عليهم أن يكتبوا، وسيكتبون...
سيكتبون كلاما غامضا، مهزوزا، لا نبض فيه، لأنهم لن يكتبوا حبا في الشعر، بقدر ما ستكون كتاباتهم احتفاء بالموت، وجريا وراء ما سيصرف لهم من مكافآت، لقاء كتاباتهم المضعضعة تلك...
أعرف كذلك، وذلك لا يعنيني، أن مدائن كثيرةً ستتبارى في إحياء أربعينيتي، وسيدعى إلى ذلك أولادي، وربّما زوجتي، حتّى يكونوا جميعا جزءا من فسيفساء الأربعينيّة التي غالبا ما يكون مهندسوها من أبرع الكذّابين والسّفلة والمنافقين. وربّما وصل الأمر ببعض الهيئات والمؤسّسات إلى التّفكير في تكريمي، وأنا في قبري... وربّما ذهب بعضهم، إلى حدّ بعث مهرجان شعريّ باسمي، أو بعث جائزة، وقد حصل ذلك مع لشعراء غيري، عاشوا شبه جياع، فلمّا ماتوا تحوّلوا إلى رموز... أعرف أيضا أنّ مذيعين كثرا، وصحائف، ومجلاّت سيعيدون نشر ما احتفظوا به في أرشيفاتهم البالية، من حوارات وقصائد، لم أتقاض لقاءها ولو ثمن رغيف واحد... أعرف هذا كلّه، وأعرف ما هو أقسى، وأحسب أنه يحق لي الآن أن أعلن أن كل تلك الأكاذيب لن تنطلي علي، وهي مرفوضة من أساسها. فأنا لست في حاجة إلى اعتراف من أحد، ولا تكريم من أية جهة كانت، وليس من حقّ أي كان أن يزعجني في قبري فأنا سأكون هناك متفرّغا إلى شؤون أخرى هي أهمّ بالتّأكيد ممّا يصنع هؤلاء الماكرون...