عن الطفولة... وأوجاع الكتابة: شهادة شعرية
عن الطّفولة:
ولادتي كانت ذات صيف (13 أوت 1961) بإحدى قرى الشمال التونسي تعرف بـ: "هنشير عيشون" تقع بين ماطر وسجنان من ولاية بنزرت…
نشأت في عائلة فقيرة، وفي بيت صغير… قريتنا، كانت بلا مدرسة، ولا طرقات معبّدة، ولا كهرباء، ولا ماء دافق من الصّـنابـير…
وكان علينا أن نقطع مسافة طويلة طويلة، عبر دروب جبلـيّة متشعبة حتى نبلغ أوّل مدرسة… وقد كان علينا نحن الأطفال أن نصطحب النسوة في طلب الماء من عين بعيدة ظمأى… وكان علينا أن نتحول أيام الآحاد وأيام العطل إلى رعاة لقطعان من الماعز نحرسها من سطوة ذئاب كانت أبدا أوسع حيلة منا…
ما كان لنا أن نحلم بألعاب أو هدايا أو ملابس أنيقة… فنحن لم نعرف من اللعب غير الطين نطوعه أشكالا ثم نسميها سيارات وطيارات وعصافير… أو نعمد إلى خرق من القماش، نلفها بإحكام، ثم نسفح شطر يومنا في العدو وراءها خفافا بلا أحذية… أو نتخير عصيا نمتطيها جيادا وننطلق في سباقات محمومة لا تنتهي… أما الملابس فهي ما يخلف الكبير للأوسط، ثم ما يخلف الأوسط للصغير… وأما الهدايا، فلا هدايا…
لقد كان علينا أن نكبر قبل الأوان ..!
عن الكتابة:
أواسط 1977، ارتحلنا إلى ماطر… هناك أتممت دراستي الثانوية، وهناك تعرّفتُ إلى بعض الفتيات، تهيأ لي أني أحببتهنّ جميعا، فكتبتُ في عيونهن أولى خربشاتي، وسميتها شعرا… وهناك أيضا، لزمت المسجد، حتى أصبح في حوزتي مفاتيح خزائن الكتب التي فيه، فكنت أمضي جل أوقات فراغي في حفظ القرآن وقراءة كتب التراث.
خربشاتي الأولى بدأتها برسائل كثيرة وجهتها إلى صبايا كان تهيأ لي أني أحببتهن جميعا… في أغلب رسائلي، كنت أستند على الشعر حتى أترجم حالتي، ولكن ساعة يتفايض العشق، ولا أجد في شعر غيري ما يعبر عني بصدق، كنت أستند إلى ألمي، فأكتب قصيدتي، قصيدتي أنا…
كذلك بدأت معاشرتي للكتابة: لقد كنت أكتب لأرضي لأعبر عن مشاعر صغيرة، آنية وذاتية… أما اليوم، فـ"ما عدت أميز بين الكتابة والحياة" كما قال نجيب محفوظ… لذلك، صرت أكتب من أجل تحقيق توازن داخلي أعرف سلفا أنه لن يتحقق… أكتب من أجل الانتصار على طمأنينة زائفة تعتريني أحيانا… أكتب من أجل أن تسود شريعة القلق، لأن الكتابة في نظري ممارسة قلقة أو لا تكون… أكتب في النهاية حتى أكون…
عن القصيدة
وحده النص العابق بوهج الحياة هو المؤهل للخلود… أما النص المحايد فيولد باردا، مضعضعا لا نبض فيه… وإذا لم تستطع القصيدة أن تضعك أمام دهشة ما، أمام تسآل ما، أمام حرقة أو صدمة أو هزة، فهي قصيدة موات لا خير فيها… والكتابة في تصوري لا يمكن أن تستقيم مع الطمأنينة أبدا… فـ"الطمأنينة دناءة روحية" على حدّ تعبير "ليف تولستوي"… والاستكانة والثبات على نمط واحد من الكتابة لا يمكن أن ينتج أدبا عظيما…
اللاّثبات… اللاّاستقرار… التّـشظي… دمارات الرّوح … قلقها الدائم الذي ينهال عليك باردا كجلد أفعى: تلك هي أبجديات الوجود، وتلك هي أبجديات الكتابة الأولى…
لم أهتم يوما بما يدور من جدل حول هذه "العودة القوية" للقصيدة العمودية، وما يمكن أن يكون وراء ذلك من دلالات، وحتى أكون صريحا فإني أعلن أن ذلك لا يعنيني على الإطلاق، فأنا كتبت القصيدة العمودية ومازلت أكتبها، وكتبت قصيدة التفعيلة وكذلك قصيدة النثر، وما زلت أكتبهما… وكان هاجسي دائما شعرية النص، لا شكله… ذلك أن تحديد الشعر بالوزن والقافية والروي وما إلى ذلك يظل تحديدا خارجيا مسطحا، لأنه يبقى في النهاية تحديدا للنظم لا للشعر على حد تعبير "أدونيس"… والقصيدة الناجحة في اعتقادي، لا تكتسب ألقها من كونها موزونة أو غير موزونة، بقدر ما تكتسبه من سعيها الدائم إلى تأسيس عالمها البكر، وخلق آفاقها المخصوصة بعيدا عن تكريس السائد أو الاتكاء عليه… وبناء على ذلك كله، فإن القصيدة الحقيقية كما أراها هي التي تسعى إلى اختزال الحياة بكل تعرجاتها ومفازاتها وأغوارها السحيقة… إنها القصيدة التي لا تعرف إلا المضي إلى الأمام، ولا يعني بعد ذلك إذا كانت عمودية أو نثرية أو سوى ذلك…
وإذا كنت أتحدث عن العالم للبكر للقصيدة، فإنما أعني بذلك أن يقطع الشاعر الحديث مع السّياقات المألوفة في التعبير، وأن يتجنّب الجاهز المكرور من الصيغ وأن يعمد إلى خلخلة ما اصطلح عليه الناس، دون السقوط في الغموض المطبق أو الإلغاز المجاني…
عن الحب
كانت تجيء المدرسة بضفيرتين حمراوين… وكنتُ أجيء المدرسة من أجل ضفيرتيها…
على امتداد سنوات ستّ، كنت أجيء المدرسة من أجل ضفيرتيها…
ضفيرتاها ما زالتا محفورتين في ذاكرتي منذ ثلاثين عاما، حتى لكأني أراهما الآن…
كنتُ أجلس خلف ضفيرتيها تماما، وفي غفلة من المعلم، كنت أداعبهما…
واليوم، وقد مضى أكثر من ثلاثين عاما على فرقتنا، أشهد أن لو لا تلكما الضفيرتان، لكنت الآن راعي ماعز في جبال خمير، أو بيّاع بطيخ، أو سائق آلة حصاد في قيظ صيف الشمال…
لتلكما الضفيرتين فضل كبير عليّ، فقد كنت أذهب إلى المدرسة من أجلهما، وفي سبيل أن لا أحرم منهما درستُ باجتهاد، فقد كان علي أن أنجح كل سنة حتى لا أتخلف عن صاحبة الضفيرتين…
الآن، وقد أضعت الضفيرتين وأضعت نفسي، أعلن ما يلي:
لا بُدّ من حب عظيم، حتى نكتب أدبا عظيما…
لا بُدّ من امرأة تحمل في كفها الخصب وألق الدهشة حتى نكتشف أننا أهل لهذه الحياة فننشئ أدبا عظيما…
عن النقد
لا بد من ناقد عظيم لكل نص عظيم…
عن وجع الكتابة
أكتب هذه الفقرة الأخيرة من شهادتي هذه، صبيحة الأحد 26 مارس 2000، وآخر قصيدة فرغت من كتابتها تعود إلى شهور ثمانية… وطوال هذه الشهور الثمانية حاولت أن أكتب قصيدة أخرى… قصيدة تكون مختلفة عن كل ما كتبت سابقا… قصيدة تكتبني… قصيدة تقولني… قصيدة أجد نفسي فيها بكل شتاتي وتوزعي وأوجاعي…
على امتداد شهور ثمانية حاولت أن أكتب نصا آخر جديدا، لكني كنت أخفق في كل مرة…
أشرع في الكتابة، ثم لا يستقر رأيي على ما كتبت فأمزقه، وأمضي إلى شأن آخر… أعود إلى الكتابة من جديد، وقبل أن يستوي النص، أشعر أن ما أكتبه الآن كنت قد كتبته سابقا، أشعر أني أكاد أكرر ذاتي، وحتى لا أظل مشدودا إلى نفس الدائرة فإني أهرب مني ومن قلمي… وأعود إلى القراءة…
القراءة فعلت بي الأعاجيب، وطوحت بي بعيدا، بعيدا: أعثر أحيانا على نصّ، على فقرة، على جملة، فأمتلئ بالرعب… كيف توصّـل هذا الكاتب إلى اقتناص هذه اللحظة؟… كيف عايشها؟ ثم كيف صاغها على هذه الصورة وجعلها تعبر عني؟… حتى لكأنه كتبها بقلمي وقالها على لساني… فأسألني: ماذا سأضيف بعد هذا الذي قيل؟
يملأني هلع كبير، أصاب بالإحباط، فأهرب مني، ومن قلمي ومن القراءة أيضا…