البتراء... 

من عَمَّانَ إلى البتراء...

كان الباصُ يُغنيّ

كانتِ سيّدةٌ من بيروتَ تُرقّص نهديْها

كان صديقي الشّاعرُ مأخوذا بعذوبة نيسانَ وعيْنَيْ فاتنةٍ من طبريّاَ.

أفكار تعبرُ ذاكرتي، والباصُ الأزرقُ يوغلُ في الصّحراء جنوبا:

منذُ ثلاثةِ أعوامٍ رحلتْ سلمى...

كان مطيرا ذاك اليومُ، ومنطفئاً.

أخرسَ كنتُ، وكفّي خذلتْني:

كيف تركتُ يديْها، ووقفتُ أتابعُها تنأى تحتَ الهطلِ...

ثلاثةُ أعوامٍ، لم أسألني عن وِجهتِها ذاكَ اليومَ،

ولا،

لا أعرفُ حتىّ الساعةَ هل أنصفها الهطلُ فصارت أمّاً ؟

- أَلَها أطفالٌ ؟

بنتٌ مثلاً ؟ أمْ ولَدَان ؟

- ويداها ؟

- هل ما زال الدفءُ الأزرقُ ينبع من كفَّيْها ؟

- وجديلتُها الصهباءُ، وذاك الشّالُ المزهرُ ؟

- هل ما زالتْ تُرخي ذاك الشّالَ المزهرَ وهي تُرقّصُ طفلتها ؟..

 

من عمّانَ إلى البتراءِ تخطّى الباصُ الأزرقُ أوديةً وجبالا،

مرّ ببادية سوداءَ حجارتُها،

بمضاربِ بدوٍ ومفاوزَ لا يعرفها غيرُ الضبّ، وما لا أدري...

حين أفقتُ على أصوات رفاقي، كان الباص توقّفَ،

والبيروتيّةُ كانتْ قد سحبتْ نهديْها...

سِرنا تحت الشّمس...

إلى أن سطعت شمسٌ أخرى:

شمسٌ تسطع من أعماق الصّخر، فَتَنشأُ لغةٌ أُخرى:

لغةٌ وردٌ، أو كالورد تَدَفَّقُ مثل الماء على ألسنة الصّخر، وتشدُو...

لغةٌ لا يفقهها غيرُ العارفِ بالأسرار الأولى:

سرِّ السِّيقِ، وسرّ الخزنةِ، سرّ المدرجِ، سرِّ المذبح،

سرّ ضريحِكَ يا هارونُ...

أَعِرْني لغةً يا هارونُ لأَجْلُوَ هذا الـمُلْغِزَ،

كُنْ لي سنداً، أنتَ العارفُ بالأسرارِ، وقدْ آزرتَ قديماً مُوسَى.

.........

لم تُسعفْني لُغتي،

عند المذبحِ، في البتراءِ، عقرتُ لِسانِي.

قلتُ ضَلالٌ لُغتي، والحكْمةُ قولُ البتراء...